سيد محمد طنطاوي
210
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
على اتخاذ الناس عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء . وقد لبسها النبي صلى اللَّه عليه وسلم في حروبه . . « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَه عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) * أي : كذلك الإتمام السابغ للنعم التي أنعم بها - سبحانه - على عباده يتم نعمته عليكم المتمثلة في نعم الدين والدنيا ، لعلكم بذلك تسلمون وجوهكم للَّه - عز وجل - ، وتدخلون في دين الإسلام عن اختيار واقتناع ، فإن من شاهد كل هذه النعم ، لم يسعه إلا الدخول في الدين الحق . ثم سلى اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من أعدائه فقال : * ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) * . وجواب الشرط محذوف ، والتقدير : فإن استمر هؤلاء المشركون في إعراضهم عن دعوتك بعد هذا البيان والامتنان ، فلا لوم عليك ، فأنت عليك البلاغ الواضح ونحن علينا محاسبتهم ، ومعاقبتهم بما يستحقون من عقاب . وقوله - سبحانه - : * ( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) * استئاف مسوق لبيان الموقف الجحودى الذي وقفه المشركون من نعم اللَّه - تعالى - . والمراد بالكفر في قوله - تعالى - : * ( وأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) * الستر لنعم اللَّه عن معرفة لها ، وغمطها عن تعمد وإصرار . أي : إن هؤلاء المشركين ، يعرفون نعم اللَّه التي عددها في هذه السورة ، كما أنهم يعترفون بأن خالقهم وخالق السماوات والأرض هو اللَّه ، ولكنهم ينكرون هذه النعم بأفعالهم القبيحة ، وأقوالهم الباطلة ، كقولهم هذه النعم من اللَّه ولكنها بشفاعة آلهتنا الأصنام ، أو كقولهم : هذه النعم ورثناها عن آبائنا . وجاء التعبير بثم لاستبعاد الإنكار بعد المعرفة بالنعم ، فإن من شأن العالم بالنعمة أن يؤدى الشكر لمسديها ، وأن يستعملها فيما خلقت له . وقوله * ( وأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) * أي : وأكثر هؤلاء الضالين . جاحدون لنعم اللَّه عن علم بها لا عن جهل ، وعن تذكر لا عن نسيان . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا . . « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 160 . ( 2 ) سورة النمل الآية 14 .